محمد حسين الذهبي
409
التفسير والمفسرون
وقوله تعالى : « وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ » لا ذكر للمراد فيه ، فهو غير مستقل بنفسه ، وإذا علق بما تقدم من ذكر الاستقامة استقل . على أنه لو كان للآية ظاهر يقتضى ما ظنوه - وليس لها ذلك - لوجب الانصراف عنه بالأدلة الثابتة على أنه تعالى لا يريد المعاصي ولا القبائح . على أن مخالفينا في هذه المسألة لا يمكنهم حمل الآية على العموم ، لأن العباد قد يشاءون عندهم ما لا يشاؤه اللّه تعالى بأن يريدوا الشيء ويعزموا عليه فلا يقع لمانع ، ممتنعا كان أو غيره . وكذلك قد يريد النبي عليه الصلاة والسلام من الكفار الإيمان ، وقد تعبدنا بأن نريد من المقدم على القبيح تركه ، وإن كان تعالى عندهم لا يريد ذلك إذا كان المعلوم أنه لا يقع ، فلا بد لهم من تخصيص الآية ، فإذا جاز لهم ذلك بالشبهة ، جاز لنا مثله بالحجة وتجرى هذه الآية مجرى قوله تعالى : « إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ . فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا * وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ . . . » « 1 » وقوله تعالى « وَما يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ » « 2 » في تعلق الكلام بما قبله . . . فإن قالوا : فالآية تدل على صحة مذهبنا من وجه وبطلان مذهبكم من وجه آخر » وهو أنه عز وجل قال « وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ » وذلك يقتضى أنه يشاء الاستقامة في حال مشيئتنا لها لأن أن الخفيفة إذا دخلت على الفعل المضارع اقتضت الاستقبال وهذا يوجب أنه يشاء أفعال العباد في كل حال ، ويبطل ما تذهبون إليه من أنه إنما يريد الطاعات في حال الأمر . . . قلنا : ليس في ظاهر الآية أنا لا نشاء إلا ما شاءه اللّه تعالى في حال مشيئتنا كما ظننتم ، وإنما يقتضى حصول مشيئته لما تشاءوه من الاستقامة من غير ذكر لتقدم ولا تأخر ، ويجرى ذلك مجرى قول القائل : ما يدخل زيد هذه الدار إلا أن يدخلها عمرو ، ونحن نعلم أنه غير واجب بهذا الكلام أن يكون دخولهما في حالة واحدة ، بل لا يمتنع أن يتقدم دخول عمرو ، ويتلوه دخول زيد . وأن الخفيفة وإن كانت للاستقبال - على ما ذكر - فلم يبطل على تأويلنا معنى الاستقبال فيها ، لأن تقدير
--> ( 1 ) في الآيتين ( 29 ؛ 30 ) من سورة الإنسان ( 2 ) في الآية ( 56 ) من سورة المدثر .